الرئيسية / قصائد / نهريّةُ ريحٍ مترعةٌ بالحسرات – طالب همّاش

نهريّةُ ريحٍ مترعةٌ بالحسرات – طالب همّاش

 

 

لم يبقَ سوى صوتِ الريحِ

على شبّاك الليلِ ،

وآخرِ أغنيةٍ تهتزُّ على إيقاعِ

الحزنِ النائمِ في ( حُزْنيَّةِ )

ريحٍ رقراقه !

 

لم يبقَ سوى رجعِ الريحِ

ووجهِكَ مجروحاً يتراءى

في المطرِ  الضائعِ

يارقراقَ عيونِكَ

ما رقرقتَ لغربتنا غيرَ الدمعِ ..

هجرناكَ وأتعبناكَ

وعلمناكَ تدبُّ على دربِ البردِ

فسافرتَ كلحنِ وداعٍ مكسورٍ

يُشقيكَ فراقُ الدارِ وتشتاقهْ !

 

لم يبقَ سوى روحٍ مترعةٍ

بمراراتِ الغربة ِ

تكتبُ بالدمعِ على سطرِ الحسراتِ

المهدورِ

مراثي مثخنةً بالأشجانِ

وأوجاعَ قلوبٍ مشتاقهْ  !

 

يا رقراقَ دموعكَ

تشتوكَ الرخرخةُ المنغومةُ للمطرِ البردانِ

فينسابُ أساكَ سخيّاً

بين الحسرةِ  و الإشفاقه !

 

سافرتَ بعيداً وتركناكَ

تبيعُ الأشعارَ المجروحةَ

في أسواقِ الغربةِ

آهٍ يا بنَ حفافي الحنطة ِ

كيفَ الشوقُ بعيداً عن وطنِ الأعشاشِ  يُعاشْ ؟

 

كانَ ينامُ على تسريحةِ شعركَ

عصفورُ الشمسِ الأشقرُ

مغموراً بالدفءِ

ووشوشةِ الشجنِ النائمِ في الأعشاشْ ..

والآنَ تهيمُ وحيداً في صحراءِ الوحشةِ

يا همّاشْ !

 

ربّيناكَ كشتلةِ ريحانٍ

في أحواضِ الدارِ

ومرجحناكَ كفرخِ الطيرِ  مع الأشجارِ

فحلّقتَ بعيداً  ..

آهٍ يا طيرانَ الهدهدِ في الواحاتِ

ألم يشجيكَ حفيفُ الريحِ

الراحلُ في حقلِ نخيلْ ؟

 

وثقيلٌ قلبكَ في ميزانِ الحزنِ ثقيلْ !

 

ماتَ كثيرٌ من حزنكَ بين منافي الليلِ

ولم يبقَ سوى عصفورٍ

يبكي قربَ مخدّةِ دمعكَ

من جعلَ الترحالَ بعيداً

وطريقَ الهجرةِ يا ليلُ طويلْ ؟

 

ضيّعتَ طريقَ العودةِ كالغرباءِ

وأوغلتَ عميقاً في الغيبِ

ولكنكَ آخرَ ساعاتِ الليلِ

تعودُ لتنقرَ شبّاكَ البيتِ

وتخطرُ في البالِ كموّالِ هديلْ .

 

يا ما أحببتُ رجوعَكَ للدارِ

ولو أغنية تملأُ شبّاكَ العشقِ مواويلْ !

 

يا ما أحببتُ رجوعكَ

يا زهرَ الحنطةِ في الصيف

لتملأَ بالزيتِ فوانيسَ السهراتِ

وتوقظَ بالضحكات فضاء الليلْ ..

 

وتُشَوّقَ بابَ البيتِ بأجملِ إشراقه  .

 

يا رقراقَ عيونكَ

والدمعُ الهاطلُ يا رَقْرَاقَهْ !

يا رقراقَ عيونكَ بين الغربةِ والأغرابْ !

 

علّمناكَ زراعةَ بستانِ الحزن ِ

وشتلاتِ اللوزِ على ترعِ الدمعِ

فلم تعقدْ أزهاركَ باللوزِ

لماذا لم تعقدْ يا شجرَ الأحبابْ ؟

 

كغريبٍ تجلسُ قدّامَ البحرِ

وتسألُ عن أسبابِ رحيلكَ

لكنكَ لستَ تُجابْ !

 

كلُّ عذاباتِ الناسِ لها أسبابٌ

إلا أسبابُ عذابكَ

ليسَ لها يا مهجورُ جوابْ !

 

آهِ على عنّاتِ حنينٍ

من مزمارٍ مبحوحٍ يا زريابْ !

لكأنّي أسمعُ صوتكَ في هدآتِ الليلِ

يرنُّ وراءَ البابْ !

 

.. يا ما أحببتُ رجوعكَ

مثل أغاني العودةِ  من بابِ الدارِ

المفتوحِ على الغيّابْ !

 

ورسمتُ على شمسِ المغربِ اسمك بالسكّينِ

فسالَ دمُ المغربِ

ممزوجاً بالنرجس والعنّابْ .

 

كمْ أغنية تشتاقُ إلى صوتكَ

ياذا الصوت الطيبِ

كمْ تنهيدة ليلٍ تتنهنهُ بين شفاهكَ

يا بنَ الخضرةِ والأعشاشْ  ؟

 

يا همّاشُ رحلتَ وراءَ نعوشِ الليلِ

وشيعناكَ بعيداً في الغربةِ

والغربةُ ليسَ تُعاش ْ !

وتظلُّ تهيمُ  وحيداً في صحراءِ العزلةِ

يا همّاشْ !

 

في الغربةِ من يطرقُ بابكَ

حينَ تُطيلُ سآمةُ ساعاتِ الليلِ

عذابَكْ ؟

من يؤنسُ روحكَ

حين يحينُ مواتُ الأحلامِ

ويرحلُ آخرُ أصحابكَ ..

من يحرسُ يا قرّةَ عينِ الباكينَ

غيابَكْ ؟

 

من يشتاقُ أواخرَ أوقاتِ المغربِ

حين يؤوبُ الناسُ

إلى ضمّكَ بالقلبِ

سوى أمّكَ ..

من يشتاقكَ كي يسقيكَ

بكأسِ العينِ شرابَكْ ؟

 

يا نهرّيةَ ريحٍ تترعرعُ بين حقولِ الحنطةِ

كمْ أغنية تشتاقُ إلى صوتكَ

كم نسمة صبحٍ تعتلّ إذا هزّتْ

فوق حبال الصيف  ثيابكْ ؟

 

أما الآنَ فوجهكَ مصلوبٌ

في المطرِ المذروفِ

وروحكَ روحُ غريبٍ

ينعى في النأي فراقهْ !

لم يبقَ سواكَ على شبّاكِ الليلِ

ولحنُ وداعٍ مبحوحٍ

ينعى في الليلِ الضائعِ

غربتَهُ ورفاقه !

 

يا رقراقَ عيونكَ والدمعُ الهاطلُ يا رقراقه !

 

حمّلتَ متاعكَ في نعشِ الليلِ

وشيّعناكَ بعيداً عن وطنِ الأعشاشْ ..

 

وظللتَ تهيمُ وحيداً

في صحراءِ العزلةِ

يا همّاشْ .

طالب همّاش

talebhammash@gmail.com

سورية – حمص

 

 

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: