الرئيسية / دراسات / أغنيات على ضفة النهر – صفوان أحمد حاج محمد

أغنيات على ضفة النهر – صفوان أحمد حاج محمد

 

 

ينتشر البشر على مساحاتٍ متباعدة وبقاعٍ شتى متقاسمين قشرة الأرض الصلبة لهذا الكوكب، يكوّنون الوجود الإنساني على شكل شعوب مختلفة تلوّن ملامح الحياة فيه.

لكل شعب خصائصه المتفردة والمتميزة التي يُعرف بها وتَصنع له هويته الفارقة. اللغة.. الزي.. السمات الجسمانية وقسمات الوجه المشتلركة.. والموروث الثقافي بأنواعه؛ من مروياتٍ وحِكَم والتي نستخلص منها مفاهيم شعبٍ ما ونظرته إلى الحياة وفلسفته الأخلاقية؛ فكل ذلك يصل إلينا على هيئة مقولبة تحت اسم الفولكلور الشعبي.

لكن أهم ركن يتشكل منه الموروث والفولوكلور هو: الأغاني الشعبية، لأن الأغنية تتلخص فيها كل المفاهيم والعناصر التي ذكرناها؛ ولأنها الاختزال الأمثل لفكر ذلك الشعب ككلٍ مُتّحدٍ متعايشٍ عبر السنين الطويلة وما عاينه من مواقف استجاب لها بحسب هذا الفكر المجتمعيّ.

فكان نتيجة ذلك أنْ اختصّ كل شعب بأغانٍ تتناقلها أجياله المتعاقبة عبر التّلقي الشَفاهي والاستماع لتتراكم هذه الأغنيات مكونة مكتبة غير مرئية لكنها محفوظة في الوجدان بقوةٍ عصيّةٍ على الضياع.

والأغنية الشعبية تتألف غالباً من كلمات منظومة بلغة هذا الشعب وتؤدى بشكلٍ فرديّ أو جماعي بحسب موضوع الأغنية، ويكون اللحن أيضاً متجانساً مع كلمات وموضوع الأغنية؛ حتى تصل إلى المستمع بأعمق تعبيرٍ عنه.

ويُلاحظ في الأغاني الشعبية أنها تحمل دائماً قصة وعبرة بطرق مختلفة سواءً بشكل سرد ملحن أو تلميح مفهوم من قبل أبناء ذلك الشعب صاحب الأغنية.

فهذه تتحدث عن سيرة أحد الأبطال، وتلك تتناول افتراق الأحبة، وأخرى تدور حول فَلَاح فاعلِ الخير، وغيرها من الموضوعات في بوحٍ دراميٍ متقن.

إن الفن الشعبي هو المولود الأكثر أصالة وشبهاً لأسرته الجَمعية؛ هو طفلها الذي لا يشيخ والذي يبقى في ذاكرتها كلحظة ولادته الأولى تتعهده الأجيال عصراً بعد آخر.

والأغنيةُ الشعبية هي فنٌ بدائيّ لكنه عميق التعبير، وهو فن لا يخضع لقواعد أو نظام فنيّ إنما هو بديع الجمال و بالغ الدقة.

ومن الواضح والجلي الدور الذي يلعبه الموروث الشعبي في تمييز كل شعب عن غيره، بل إن الشعوب المختلفة تحرص على التشبث به لهذا السبب بالذات، و لأنه من عوامل وحدتها القومية ومرآتها التقية التي لا ترى فيها سوى وجهها الأوحد. لكن الموروث الشعبي يفعل شيئاً آخر أيضاً، فهو حيث يمد جذوره في عمق الخبرة الإنسانية وقاع الحقائق الأكثر عراقةً، يحوّل الشعوب إلى أٍرة واحدة تنتمي إلى ذات الجذر، لأنه -أي الموروث- ينقل إلينا حكاية البشرية دون زخرفة أو تشذيب مثبتاً أننا إخوة و توائم وإن كانت ملامحنا غير متطابقة تماماً، فاختلاف وجوه التوائم غير المتماثلِيْن لا يعني أنهم ليسوا إخوة.

تظهر لنا هذه الحقيقة في لونين غنائيين لشعبين مختلفين في اللغة والبيئة الطبيعية، ولكنّ لوناً غنائياً شعبياً وحّد التعبير لديهما عن الألم والشقاء، وجمع بينهما في تعب العيش والمعاناة.

على ضفاف نهر الفرات في الأزمنة الغابرة كان هناك عمّالٌ يعتاشون على سحب السفن بالحبال من ضفة إلى مقابلتها على الجانب الآخر من النهر، وتكون تلك السفن محملة بالبشر وبضائعهم وأمتعتهم، فيقضي هؤلاء العمال نهارهم في هذا العمل الشاق على مدار العام.

كانت السفن تبحر من أعالي نهر الفرات إلى مصبه في العراق محملة بالبضائع التجارية، وبعد بيع هذه البضائع يقوم ركاب السفينة بالنزول إلى الضفة ليسحبوا السفينة بالحبال في رحلة العودة بعكس تيار مياه النهر، لتستمر الرحلة أياماً طويلة، حيث خرج من هذا الشقاء والإرهاق والشوق إلى الديار لون غنائي عُرف بـ (السويحلي)، وسمي بهذا الاسم لارتباطه بسواحل الفرات.

ضمّ هذا اللون أغانٍ كثيرة تشترك جميعها في حزن لحنها و كلماتها المفعمة بالألم وحرقة الفقد. ويكون أداؤها بمدّ الصوت وترجيعه بإيقاع بطيء يحاكي بطء إيقاع سحب السفينة ومياه النهر.

ومن الأبيات الشهيرة التي تُغتى على هذا اللون، على سبيل المثال:

“إنْ كان قلبك سَلاني، قلبي فلا يسلاك

عيني بحجة الرمد تبكي على فرقاك”

ذلك على ضفاف الفرات، وعلى ضفاف نهر (الفولغا) في روسيا في نهاية القرن السادس عشر عاشت فئة من العمال الفقراء الذين أُطلق عليهم اسم (бурла́к البورلاك) يمتهنون سحب السفن بالحبال. ذلك أن السفن التجارية التي تبحر عبر نهر الفولغا حين كانت تصل إلى أماكن ضحلة أو ضفاف ضيقة، كانت تقوم بإنزال أشرعتها إذا كانت تسير بقوة الرياح، وتوقف المحركات إن كانت بخارية، و يتوقف المجذفون بدورهم إن كانت السفينة تسير بواسطة التجذيف، ثم يقومون بإلقاء الحبال الضخمة إلى الـ (بورلاك) الذين ينتظرون على الضفة، حيث يقوم الـ (بورلاك) بسحب السفينة ببطء شديد عبر مجرى النهر تفادياً لاصطدام جسم السفينة بحواف الضفاف فتتأذى.

وهو عمل مضنٍ جداً، فقد كانت تلك الفئة من العمال هي الأشد بؤساً في المجتمع الروسي وقتئذٍ. وكان هذا العمل يمتد موسمه من الربيع وحتى فصل الخريف، ويتوقف في الشتاء بسبب تجمد مياه الأنهار. ولم يكن الـ (بورلاك) يتقاضون أجورهم إلا بعد حلول فصل الخريف، مارّين برحلة جوع وفاقة.

خرجت من حناجر هؤلاء البؤساء مجموعة من الأغاني الحزينة التي يستعينون عند أدائها على تعب أجسادهم وعلى ما يكابدونه في حياتهم.

من أشهر هذه الأغاني التي تتحدث عنهم، هي أغنية ( Эй ухнемإي أوخنيم) والتي قام بأدائها الكثير من المغنيين في روسيا، وكان أشهر من غناها في سبعينات القرن الماضي هو (ليونيد خارتينوف) الذي بقي أداؤه لها في ذاكرة المواطنين الروس لأجيال.

تقول أحد المقاطع في الأغنية:

“تنهّد..!

مرةً أخرى بعد مرة

ها نحنُ نقتلعُ أشجار البتولا

ها نحن نلويها

هيّا هيّا

ها نحن نلويها

ها نحن نمضي على طول الضفة

للشمسِ نحن نغني أغنيتنا

وأنتَ أيها الفولغا يا أم الأنهار (النهر الأم)

واسعٌ وعميق

هيّا هيّا

واسعٌ وعميق”

هكذا اقتربت أداة التعبير وأسلوبه عندما كان الألم واحداً، وعبرت آلاف الكيلومترات لتلتقي عند عتبة الألم مع نظيرتها لدى شعب يختلف من حيث اللغة و المكان، كي يقف اللونين أمام بعضهما كما يقف شخص أمام مرآته فيرى نفسه مع اختلافٍ في الجهات فقط؛ لا يُغيّر أي ملمح في كلا الأغنيتين لنتعلم بأننا عند عمقٍ ما، نصل كلنا إلى ضفة واحدة تجمع الإنسانية في فسحة تتسع للجميع.

 

المحامي: صفوان أحمد حاج محمد

هوامش:

  • الأغنية ذُكرت لأول مرة في كتاب للموسيقي (ميلي بلاكيريف) عن الأغنية الشعبية في روسيا عام 1866.

  • عمال البورلاك بالروسية (бурла́к)

*وقد كانوا موضوعاً للوحة شهيرة للرسّام (إيليا ريبين). ومن الجدير بالذكر كذلك أن الصحفي والكاتب الروسي (فلاديمير غلياروفسكي) ذكر في واحدٍ من مؤلفاته عن عمله في الماضي كأحد عمال الـ (بورلاك).

  • الأغنية باللغة الروسية

Эй, ухнем!

Ещё разик, ещё да раз!

 

Разовьём мы берёзу,

Разовьём мы кудряву!

Ай-да, да ай-да,

 

Разовьём мы кудряву.

Мы по бережку идём,

Песню солнышку поём.

 

Эх ты, Волга, мать-река,

Широка и глубока,

Ай-да, да ай-да,

Широка и глубока,

 

Эй, ухнем!

Эй, ухнем!

 

 

 

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: