الرئيسية / دراسات / ليس هناك أجمل لنعيش من أجله شهادة إبداعية في رواية “الغداء الأخير” للروائي توفيق جاد – بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

ليس هناك أجمل لنعيش من أجله شهادة إبداعية في رواية “الغداء الأخير” للروائي توفيق جاد – بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

 

 

“قدمت هذه الشهادة في اتحاد الكتاب الأردنيين عمان يوم السبت 16/9/2017م”

أن تبدأ بعد أن تصغي للحياة طويلا فهذا مؤشر على الوجود، وأن تبدأ بعد أن تكون قد عاينت تقلبات الحياة والواقع والوجود فهذا هو الحضور الإنساني، ليس متأخرا، ربما تأخر قليلا، هو لم يتأخر، لكن الحياة عاندته فصبر وانتظر، من الجميل أن تسند ظهرك إلى الحائط، لكن الأجمل أن تسند الحائط الذي يتكئ عليه ابناؤك وزوجتك وعائلتك واصدقاؤك، فهذا هو العطاء.

السنوات تمر، ربما سريعا، وربما أبطأ من سلحفاة، لكن المعيار يحدده الشاهد الذي عاين ومحص الحياة، والشواهد كثيرة، والشاهد واحد، اصطنع من الشواهد مادة لحضوره بعد أن غلف بالصبر ما غلف، فهل يجوز شرعا أن نشهد لشاهد، ربما هو متهم بالتأخر والتأخير، قد تكون هذه التهمة جاهزة ومعلبة عشوائية في ضربها، لكنه الحكم على أسباب هذا التأخير الذي أنبت من جوعه وتعبه وعطشه وجهده، وما بذل بالحياة سوى سنبلتين، سنبلة في عالم القصة، حيث كان الصرير جزءا من حياته، وحياتنا أيضا لكنه شعر بالصرير، هذا الصوت المزعج الذي استدل به على نفسه، فكان الصرير بإحدى عشرة قصة ضمنها مجموعته القصصية الصرير، التي بدأت حكايتها سابقا وهو يتوكأ على قصص تناثرت، شكلت فيها صورة المرأة فاعترف في الحياة بأنها متشظية فسيفسائية، أو قطع زجاج تناثرت، لكن الشاهد على التناثر والجمع والضرب والطرح في عمليات مساحية، حدد أولا النقطة المرجعية datum point، وربما حدد خطا مرجعيا base line ،  نقطة مرجعية تحتاج إلى مثلثات ودوائر لإعادة حساب الأشياء، فهل يحسبها أم يتركها للقدر؟.

لم يلتفت إلى نفسه وهو يحمل جهاز المساحة، راصدا النقاط والأبعاد، ولم يدر في خلده يوما بأن هذه النقاط التي شكلها على جغرافيا الأردن قد أعادت تشكيلة في غداء أخير، لماذا اقترضت الأخير من ليوناردو دافنشي صاحب العشاء الأخير؟ أهي نهاية الأشياء؟ أم نقطة ترجع فيها من بداية قديمة إلى بداية جديدة، تتحرك في دائرة لا يكسر محيطها سوى نظرة ثاقبة.

فلماذا لم تبدأ من قبل يا توفيق جاد؟

كان هذا السؤال أردده كثيرا عليه؟ ولا تعرف مدى الحرقة التي تسكن صدره، وتطبع أنفاسه مع حرارة السيجارة التي ينفثها مع بعضٍ من همومه، لكن جوابه حاضر دائما، حاضر في طفولته وشبابه، وحبه للغة الإنجليزية، حيث كتب روايته الأولى بتلك اللغة، التي ما زال يجيدها ويردد مفرداتها على أسماعنا، ويسألنا بفرح هل تعرف ما تعني لي اللغة، ولم أجبه لأنها وجوده وحاضره وماضيه، كعادة من ينسى يتذكر لاحقا أن اللغة مستقبله، فالماضي قد انتهى بضياع روايته التي كتبها باللغة الإنجليزية، لم يحزن كثيرا فقد فلسطين ونور شمس التي ما زالت تعيش في لمعان عينيه، فهو العاشق لفلسطين ولأرضها، وهو صاحب الحنين المتشظي، كما الوضع في وجودنا العربي، يتشظى هو، فأتشظى أنا، ونتشظى فتضيع الرواية، ويبدأ حكايته من جديد قبل سنوات بعملين أدبيين مهمين قدمهما للمكتبة الأردنية والعربية، الصرير مجموعته القصصية، والغداء الأخير روايته التي سرد بها ما يشاء من حكايا فلسطين وأثرها على الشعب الفلسطيني في كل أرض وفي كل بلد، لأن الشتات عذاب، والرحمة في السماء وكذلك العدل.

كنت أجلس إلى مكتبي في رابطة الكتاب الأردنيين فرع إربد حينما دخل علي بحماسه، فكان اللقاء الأول، حيث الفيسبوك كان الوسيط  الإفتراضي للقائنا، لكن اللقاء لم يكن افتراضيا أبدا، إلا إذا كان هذا الوجود افتراضيا بذاته، أدنيته مني، جلس على كرسي بجانبي، وكما هي عادة الأدباء تبدأ بثرثرة، ثم أقرأ له شيئا من الشعر، وأسمع قصة من قصصه التي شكلت مشروعه الأدبي، حيث كان العهد والوعد على إيفاء هذه المجموعة القصصية حقها، وبقينا معاً على طريق واحدة حتى أنجزت المجموعة القصصية، وتم توقيعها في أربعة مدن أردنية، لم يصل معه الى خط النهاية إلاي.

لكن توفيق جاد الطموح والمتسرع صاحب الهمة التي لا تلين كان يكتب روايته خفية قبل أن يوقع مجموعته القصصية في نادي أسرة القلم، حيث كان التوقيع الأخير للمجموعة القصصية، والبداية في مشروعه الروائي, لا أعرف سببا للعجلة أو هذه السرعه في الكتابة، ربما كانت تسكنه الحكاية, ليست حكاية القاص إنما حكاية الراوي، فلكل حكاية جانب مقابل، ولكل حكاية جغرافيتها, ربما ننسى أن للحكاية حكاية مقابلة تتأثر بما يدور حولها، وتؤثر بالمجتمع أيضا وهذا ما اطلق عليه العلماء نظرية أثر الفراشة بالإنجليزية (butterfly theory)، والتي عبر عنها سيدنا عمر بن الخطاب: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها
لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر )، هكذا فهمت تبادل الأثر كما فهمه عمر بن الخطاب، لا كما استساغ البعض فهمها على أنها نظرية للفوضى (chaos theory)، أو ما يسمى بالفوضى الخلاقة، التي أعلنتها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق، بإعادة ترتيب المنطقة تقسيما وقتلا ودمارا، وإعادة ترتيب العالم في فوضى خلاقة.

فهل القصة فوضى خلاقة؟

وهل الرواية فوضى خلاقة؟

يعيد القاص والروائي ترتيب الأشياء كما يرى، ويعيش الشخوص، كما يريد مستسلمين مطأطئين, ينطقون ما ينطق، رغم أنه كثيرا ما ينطق عن الهوى، لكن رسولنا محمد (ص) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، الذي أعاد صياغة هذا الوجود لتكون حكاية ربانية إلهية، يسميها البعض السيرة النبوية، وآخرون يسمونها بالتاريخ، فلماذا يا توفيق جاد قتلت شخوصك، وأبطال روايتك حتى أصبحوا ضحايا، أطفالهم أيتام، وأمهاتهم أرامل، وآبائهم قتلى.

لماذا نظرت إلى الموت ولم تنظر إلى الحياة، نظرت إلى العتمه وأدرت ظهرك لشمس مشرقة، أمن  أجل حكاية تقتل فيها ما تقتل، ويموت من يموت, هو القدر أن تمسك القلم، وترسم حكاية شعب شردته قوى الظلام، لكنك الصابر الواثق بالعودة حقا, هل ستكتفي بعملين، أم أن قلمك يرتعش لرواية ثانية، تسلط فيها الضوء على الحياة.

عش طويلا ترى عجبا, فلماذا نعيش طويلا؟ لماذا لا نموت سريعا، ونترك أجسادا جميلة، أنا لا أحدد من يعيش، ولا من يموت، ولا أنت، لكن الروائي يفعل ذلك كثيرا، والقاص أيضا قادر على فعل ذلك.

فليس هناك اجمل لنعيش من أجله.

 

 

 

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: