الرئيسية / قصائد / جَميل بثينة سنة 2000م – الشاعر حسن منصور

جَميل بثينة سنة 2000م – الشاعر حسن منصور


تَمَهَّلْ جَميلُ!
خَيالُكَ يَسْرَحُ غَرْباً وشَرْقا 
يُفَتِّشُ دَوْمًا وَلَيْسَ يُغاِدرُ أُفْقا
وَعَيْناكَ لا تَهْدَآن
لَعَلَّ بُثَيْنَةَ يَوْمًا تَلوح
كَبَرْقٍ يَشُقُّ الْغَمام
يُضيءُ فُؤادَكَ، يَمْحو الظَّلام
يُداوي الْجُروح
وَلَوْ كانَ لَمْحَة!


أتَذْكُرُ إذْ أسْعَدَ الْحَظُّ عَيْنَيْكَ يَوْمًا
وَلاحَتْ بُثَيْنَةُ فَجْأَةْ
فَحَدَّقْتَ فيها وَعَيْناكَ لا تَطْرُفان
وَراحَتْ تُناديكَ: كُنْ يا جَميلُ جَميلا
فَإِنّي سَآتيكَ عَبْرَ الْمَنام
سَآتيكَ سِرّا
وَأبْقى طَويلا
فَمَهِّدْ لِيَ الدَّرْبَ وَافْرُشْ حَريرا


أَتَذْكُرُ كَيْفَ جَرَيْتَ وَراءَ النِّداء
وَعَيْناكَ نَحْوَ السَّماء
وَأنتَ تُنادي بِصوْتٍ غَريب:
بصوْتِ الدُّعاءِ وَصَوْتِ الرَّجاء
بِصَوْتِ الأَنينِ وَطولِ الْحَنين:
(بُثَيْنَةُ لا تَغْرُبِي وَاسْمَعيني
بُثينةُ يا قَطَراتِ النَّدى ـ
يا شُعاعَ الْهُدى فِي الْمَدى ـ
يا نَسيمَ الْحَياةِ
أَلا انْتَظِريني وَلا تَتْرُكيني!)
وَخارَتْ قُواك.


أتَذْكُرُ ما قُلْتُهُ لَك؟:
(تَمَهَّلْ جَميلُ وَحاذِرْ!
فَإِنَّ قُواكَ تَخورُ وَتَذْوي
وَأنْتَ صَريعُ السَّقام
إلَى الأَرْضِ تَهْوي
وَها أَنْتَ تَغْفو عَميقًا عَميقًا
تُسافِرُ إِذْ لا تُلاقي صَديقا!
فَلِلّهِ كَمْ كُنْتَ تَشْقى بِهذا الْغَرام!).
وَكانَ الفِراق
وَذِكْراكَ نامَتْ بِبَطْنِ كِتاب.


وَمَرَّ زَمانٌ بِدونِ حِساب
مَضى ألْفُ عامٍ وَعامٌ وَعام …
فَفَاجَأْتَني إِذْ تَمَلْمَلْتَ
ثُمّ انْتَفَضْتَ
مِنَ الْغَيْبِ جِئْتَ
كَطَيْرِ الرَّماد
تُحَدِّقُ حَوْلَكَ تَسْأَلُ:
(أيْنَ بُثَيْنَة؟)
فَيا عَجَبًا! كَيْفَ لَمْ تَنْسَها يا جَميل،
بِهذا الزَّمانِ الطَّويل؟
هَلِ العُمْرُ عاد؟
هَلِ الشَّوْقُ عاد؟


تَمَهَّلْ جَميلُ
فَإِنَّ (بُثَيْناتِ) هذا الزّمان
كَأَسْرابِ كُلِّ الذُّباب
يَطِرْنَ يَقِفْنَ على كُلِّ أَنْفِ
وَفَوْقَ العُيون
وَتَحْتَ الْجُفون
وَيَدْخُلْنَ في الرِّئَتَيْن
بِلا أيِّ خَوْفِ
فأيْنَ سَتَهْرُبُ أيْن؟
خَيالُكَ ضاعَ ضَياعَ السَّراب
وَليْسَ أَمامَكَ إِلاّ الْحَقيقَة
فَوَزْنُ (البُثَيْناتِ) وَزْنُ الذُّباب
وسِعْرُ التُّراب!
فَأيَّ (البُثَيْنات) تَبْغي؟
فَكُلُّ أَمانيكَ شَيْءٌ مُعَجَّلْ
وَلا تَتَمَنَّ وَلا تَتَخَيَّلْ
ودَعْ وَهْمَ (عُذْريّ)
فإنَّ الْمُخَبَّأَ صارَ مُباحا
وَلَسْتَ بِحاجَةِ شَوْقٍ وَصَبْرِ
فنَيْلُ الرَّغائبِ أَمْسى مُتاحا
فَعِشْ في الْحَقيقَةِ وَانْسَ الْخَيال
بِهذا الزَّمان
وَهذا الْمَكان.


الشاعر حسن منصور
من المجموعة العاشرة، ديوان (تقاسيم على مسيرة الزمن) ط2ـ دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع2014م. (ص94)

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: