الرئيسية / حوار أدبي / أشرف الجمَّال… إنْسَانيتَهُ تَصُوغُ شِّعْرَه../ حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

أشرف الجمَّال… إنْسَانيتَهُ تَصُوغُ شِّعْرَه../ حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

  • أشرف الجمَّال…إنْسَانيتَهُ تَصُوغُ شِّعْرَه..
  • حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

عندما تراه بلحيته لأول مرة ستحسبه على التيار المتشدد، وعندما تقرأه في حملته على هذا التيار أو بعضه..تتحير، وإذا قرأت موافقاته لبعض أهل العلمانية حسبته عليهم، فإذا هو ليس منهم، وتأخذك الحيرة حين تراه يميل مع أهل الطريق والمكاشفة، وتخطيء أيضًا إذا حسبته عليهم أو منهم بالكلية.

إن الشاعر أشرف الجمَّال المصري الجنسية، الجيزي الإقامة والمولد نسبةً لمحافظة الجيزة، لا يمثل إلا نفسه وشخصه ومكنوناته؛ فنزعته إنسانية وجودية يمزج بين المدرسة الفلسفية والتصوف في شعره؛ فمن ملأ كأسه من دنان قصائده المترعة، يعلم مدى سيطرته على الصور البلاغية، وبراعته في تركيب جدلي ومجدول بين الأبيات والآيات في عناقٍ حميم لا افتعال فيه.

وعلى الرغم من درعميته؛ إذ تخرج من كلية دار العلوم جامعة القاهرة بعد أن نال درجة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية والدراسات العليا بقسم الأدب، تحرر من الخليل وتفاعيله، وتدثر بقصيدتي النثر والشعر الحر، أما على المستوى الإنساني فهو من أنصار الدعوة إلى التسامح وعدم التعصب الديني، ولهذا كانت إنسانيته أسبق في التعرف عليه، فإذا عرفته ولجت إلى شعره لتستزيد من إنسانيته التي صاغت ما يقول، فكأنما صدر منه عن سجية وسليقة لا عن تكلف أو صنعة.

ولأن شاعرنا عَارَكَ التعليم معلمًا، وله روافد ممدودة حيث ينابيع الفلسفة والتصوف علاوة على مباحثه في جمالية الدين، وآراؤه الواقعية الصريحة فيما تموج به الساحة المصرية الآن، سيتفرع بنا هذا الحوار للنهل من كل هذه الأنهار والجداول:

ــ كيف قرأت الخليل بن أحمد الفراهيدي بحكم تخصصكم في علوم العربية؟

ــ الشعر ميراث إنساني ممتد وتجربة إنسانية عميقة تؤصل لوجودها بتراكمية الإنتاج وتنوع الروافد، فلولا الشعر العمودي لما كانت الموشحات، ولولا الموشحات لما كانت قصيدة التفعيلة، ولولا التفعيلة لما كانت قصيدة النثر، ولا يسع الشاعر مهما بلغت خصوصية شعريته أن ينقطع عن ميراث السابقين، وإلا كان مُنَبتًّا ومشكوكًا في ادعاء فرادته، الحداثة هي مرحلة من تجليات القديم وكل منتوج يوسم بحداثته سيستحيل قديمًا بمرور الوقت .. كلنا صنيعة من سَبَقَنا، ونحن منتجو من سيأتي .. والخليل بن أحمد هو مرحلة هامة وضرورية في تاريخ الوعي بالكتابة الشعرية لقد حاول الخليل أن يقعّد للشعر ضوابطه التي تمنحه رهان التفرد والخصوصية في عصره وتميزه عن غيره من أشكال الكتابة الأخرى، وهو وإن كان ضيّق واسعًا إلا أنه لم “يُفقهن” الشعر؛ وأنا أفرق بين فقهنة الشعر وتقعيده؛ فالفقهنة هي نوع من الجمود والتكلس الذي لا يقبل الانحرافات أو الابتكار إضافةً وتحديثا، فيم يظل التقعيد ضابطا قابلًا للتفاوض وإعادة تدوير القيمة بهدف إعادة تشكيلها وهو ما ينم عن وعي الخليل بخصوصية الشعر كإبداع يأبى الجمود والتقيد بمقدس قاعدي لا يمكن الخروج عنه، وقد ترجم هذا الوعي نفسه في فكرة العلل والزحافات التي أراها وسيلة ابتكرها الخليل ليشير إلى أن ما وضعه من ضوابط هو القاعدة ولكن بالنظر لخصوصية الشعر فتلك القاعدة تقبل الاستثناء والانحراف .. وقد كان الخليل مستنتجًا من بنية الشعر ذاته ولم يكن مقننًا لما ينبغي عليه أن يكون.

ــ أصحاب القصيدة العمودية يتهمون من يتمترسون بالنثيرة أو النثر بخوائهم وخوفهم من العروض، ولا يرضون بإطلاق لفظ القصيدة عليها، ولايدرجونها تحت فن الشعر، فما قولك؟

ــ الوزن والقافية هي تقنية أدبية يوظفها الشاعر للتعبير عن وعيه بالعالم وبذاته، وهي تقنية ضمن عشرات التقنيات الأخرى التي تشكل طبيعة البناء الشعري، ويصعب بمكان أن تُختَصَر ماهية الشعر في الوزن والقافية؛ لأن جوهر الشعرية هو خصوصية البنية وطريقتها في رصد المعنى والإفصاح عنه، وطريقة إنتاج الديالوج الجمالي بين النص والمتلقي..وهذا الفهم له جذور في الوعي العربي وفي تراثنا القديم؛ فلم يمنع غياب الوزن والقافية عرب قريش من وصف القرآن بالشعر ضِمنًا؛ وفي القرآن: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾؛ لأنهم رأوا أن القرآن الكريم في تفرده الإبداعي يتبني أكثر من تقنية أدبية تحدث الأثر ذاته الذي يحدثه الشعر في ذائقة المتلقي من تكثيف وإزاحة ورمز وتصوير وخروج بالمعنى العرفي لمواضعات اللغة إلى المعنى المجازي، والجنوح بالسردية من التقرير إلى الإشارة والمراوغة، وتفجير مساحة الصمت الكائنة بين اللغة كعلامة و”ماصدق وجودي” وبين المتلقي كذات واعية.

وقد لمس القدامى بشفافية هذا الخيط الرفيع الذي تتداخل معه الشعرية بالنثرية؛ يقول أبو حيان التوحيدي: (أفضل الكلام نظم تراه نثرًا، ونثر تراه نظما)، إن وضع حدود فارقة بين الشعر والنثر وسائر أشكال الكتابة الفنية أمر هام وضروري جدا لترسيم جغرافيا الشكل الأدبي وتمييزه عن بقية الفنون ، ولكن مثل هذه الحدود لا ينبغي أن تكون جامدة وعازلة ومتكلسة بحيث لا تسمح بالتماهي والاستقاء واستدعاء تناوبات التقنية وتوظيفها داخل الإطار الفني، يمكن للشاعر أن يوظف تقنية القص والسرد والوصف والمراسلة لأن ذلك يثري تجربته، شريطة ألا يكون هذا التوظيف من قبيل الفوضى التي تهشم حدود إطار الفن الذي ينتمي له فينمحق في فن آخر، مثل ذلك التوظيف يعني ضعف الشاعر أمام تقنيته وافتقاده ماهية فنه بالذوبان في ماهية الآخر المُستدعَى.

ــ ألا ترى معي أن قصيدة النثر أصبحت مطية لكل ناعق بالشعر، مع الجهل الزاعق بأدوات الشعر ناهيك عن اللغة، حتى ضجت صفحات التواصل الاجتماعي من خطاياهم النحوية والاملائية؟

ــ أتفق مع حضرتك تمامًا ومع هذا الطرح، ولكني أفسر ذلك بجهل الممارسة الأدبية وعدم خبرة أدعياء قصيدة النثر بهذا الشكل الفني، وسطحية فهمهم لجوهر الشعرية، ومن المعلوم بالضرورة أن لكل فن ولكل علم أدعياءَه، وليس العيب في مناخ الحرية التي توفره قصيدة النثر .. الحرية إضافة واستثمار جمالي يمنح الفن رحابة ويجعله قادرًا على استيعاب كل تجليات الوعي وما أنتجه من فلسفات ورؤى وقيم تتقاطع مع إنسانية الإنسان وهمومه وتساؤلاته، ليس العيب إذن في الحرية، وإنما العيب فيمن يسيء فهمها.

ــ بالرغم من نفوق سوق الشعر، على المستوى المصري والعربي، أصدرت عددًا من الدواوين تباعًا، أهذا مرده لرواجكم وإقبال القاريء على منتوجكم؟

ــ الحمد لله قمتُ بإصدار ثمانية دواوين شعرية كان آخرها ديواني “تحت قمر ملغوم” وهناك مسرحية شعرية قيد الطبع ومعجم الإشارات والاصطلاحات الصوفية كذلك. وبالمناسبة تنتمي المسرحية بكاملها لشعر التفعيلة.. وأستطيع أن أقول باطمئنان إنني أكتب لأنني ببساطة أحب الكتابة وأعدها قيمة إنسانية للتعبير عن مواقفي تجاه إنسانيتي والآخر وبلادي وعقيدتي، وأعتبرها أيضا شرطًا وجوديا للتحقق بماهيتي، وبالطبع كل قاريء هو شريك لي فيما أكتب ولولا المتلقي لما كان شاعر.. ولكن الفن قيمة جمالية والجمال يُطلَب لذاته وليس بإمكان إذا كنا ممن يحب الجمال أن نوظفه بأي شكل لقيمة نفعية أو نحولّه لسلعة تبقى رهان العرض والطلب .. الفن يكتب فقط لأنه جميل .

ــ أصدرت من الدواوين: “ليس للبحر خِل”، “كذلك رددناك إلى قلبك”، “سبع سموات قبلي”، هل يستطيع الناقد أن يتابع تطورك الشعري، وأن يلحظ القاريء ذلك؟

ــ يمكن القول في هذا السياق إنني ممن يؤمن بأن الشاعر الحقيقي هو من اختبر وعيه الفني وتقنية كتابته على محكِّ مراحل التطور الشعري فقد كتبت الشعر العمودي وكتبت شعر التفعيلة واعتمدت التفعيلة أداة فنية ساطعة في دواويني “ليس للبحر خل/ كذلك رددناك إلى قلبك/ سبع سموات قبلي” وإن كنت قد نوّعتُ بين قصيدة النثر والتفعيلة في الديوان الثاني .. ثم كتبت بعد هذه الدواوين خمسة دواوين أخرى تنتمي بالكلية إلى قصيدة النثر وهي “ممر ضيق لفرار القطيع/ جسور عمياء/ ليل لا يتسع لجريمة/ حانة المجذوب/ تحت قمر ملغوم”.

وعلى مستوى الرؤية فقد كانت معظم دواويني تأصيلًا لمشروع جمالي يتبنى التصوف الوجودي حلا عرفانيا لرؤية العالم والتعايش مع الواقع معتمدًا على قيمتي الحب والجمال .. وهو نوع من التصوف العقلاني الذي ينأى بنفسه عن الميتافيزيقا المثالية المجردة التي لا تمس وجودية الإنسان ومشكلاته ومأزقه تجاه الموت والعدم والتحولات المعرفية والمجتمعية التي تتناوبه ،كذلك ينأى بنفسه عن جمود الحتمية والمادية التي تختزل الكون والإنسان في الجاهز والمعلب والجامد الخالي من الروح .

ــ تقف معظم قصائدك خير شاهد على من يتهمون قصيدة النثر بمجافاتها للإيقاع، فهي تأتي محملة بموسيقاها التي قد تصرف الذهن عن نثريتها وتقاربها مع لداتها من قصائد التفعيلة؟

ــ أحب أولا أن أفرق بين مفهومي الموسيقى [الوزن – القافية – التفعيلة] والإيقاع .. إن مفهوم الإيقاع أعمق وأرحب من مفهوم الموسيقى؛ فثمة إيقاع حاضر في قصيدة النثر دومًا وأرى أنه ضروري جدًا لكي لا تغرق القصيدة في السردية، وتنتقل بإساءة استخدام أدوات التقنية من حقل الشعرية إلى دائرة السرد الهذياني إذا صحت التسمية، في قصيدة النثر هناك إيقاع على مستوى الرؤية وعلى مستوى بنية الصياغة وطريقة تركيب الجملة وتقسيم السطور الشعرية وعلامات الوقف والفصل والوصل وعلى مستوى حقول التخييل أيضا، إنه إيقاع فكري وروحي يلتقطه المتلقي عبر وسائل أكثر شفافية من الأذن التي مرن عليها من يختزل الموسيقى والإيقاع في الأوزان والقوافي.

وأستطيع أن أقول ليس معنى أن قصيدة النثر حرة ولا تلتزم بالموسيقى أنها فوضوية وخالية من هندسة ما تضبط إيقاعها؛ لأن غياب مثل هذه الهندسية التركيبية لغةً ورمزًا وصياغة هو بمثابة تشكيك في قدرة الشاعر على اقتناص جوهر الشعر الكامن في ماهية النثر.. وهو ما أشارت إليه بذكاء عبارة أبي حيان السابقة.

ــ في دراستك الماتعة: “الدين بين الجمالية والحرفية، والتي تقاوم إيجازي لها، أرجو أن تبسط لنا خطوطها العريضة؟

ــ تقوم هذه الدراسة على فكرة رئيسة هي أن هناك فرقًا كبيرًا بين رؤية العالم من خلال مواضعاته المادية الحرفية ورؤية العالم من خلال جوهره وانفتاح دلالته للتأويل.. فالناظر إلى الدين ونصوصيته الكتابية نظرة سطحية يتوقف مع الشكل ومع المواضعات المعجمية السكونية للغة وبالتالي ينتج دلالته إنتاجا حرفيا لا يتجاوز مظهرية الأشياء والمعنى الظاهر على السطح، وهو منطق الفكر الراديكالي والأصوليين الثبوتيين الذين لا يتطرقون بالوعي للمعاني الكامنة وراء الظاهر والرؤى التي تلمع تحت سطح المعنى، وهي ثقافة خطيرة تتبنى اثنينية عدائية لتقسيم البشر مؤمنين وكفارا، وتقسم المؤمنين أنفسهم محافظين ومهرطقين.. كما أنه يختزل الدين في قاعديته التي سنّوها هم ووضعوا قوانينها، وليس لجمود في الدين نفسه، ومن هنا جعلوا العلاقة بين الدين والإنسان غير مرنة ومُنبَتِّة عن الحوار المشترك بين النص والإنسان وفق الشرط الزماني والمكاني واختلاف الظرف من عصر لعصر ومن مصر لمصر، وقد نتج عن ذلك تحول الدين لفكرة مثالية ميتافيزيقية غير قابلة للتطبيق لأنها تتجاهل المفهوم الوضعي الوجودي لإنسانية الإنسان ومشكلاته وغرائزه واستغلال الدين لصالح الطبقات الأقوى أو التي تسيطر على المؤسسة الدينية والسياسية.

أقول لم يكن ذلك لنقص في الدين الذي أراه ضروريا لبقاء الإنسان وللتحقق بمعنى وجوده واستمرار ديمومة الحياة ،وإنما لطبيعة الرؤية التي غلفت أصحاب القراءة الحرفية وهي رؤية أبعد ما تكون عن الحق والحقيقة وتكشف عن غياب الرؤية وعدم المعرفة بماهية الوجود الإنساني واللغة التي تشكل ذاكرة الوعي وتشير كعلامة إلى مواضعات الوجود.. بخلاف أولي النظرة العميقة التي تتبنى الجمال والحب حافزا للقراءة والاستنتاج، وتدرك نسبية اللغة واختلاف دلالاتها عبر فعل التأويل ذي المرجعية الإنسانية التي تتفهم تحولات الزمان والمكان وتعي حتمية اختلاف البشر وتسمح بالتفاوض على الفكرة واتساع المعنى للتفسيرات المختلفة وتؤصل لعلاقات التجاور بتواضع مرجعُه العلمُ بأن المعرفة أجلُّ من أن يُحاط بها وكلٌّ يرى على قدر مِرآته .

ــ من خلال خبرتك المهنية في تدريس اللغة العربية وتواصلكم بصفحات التواصل الاجتماعي. هل تشخِّص الداء وتصف الدواء عن أسباب التردي المهين لتلك اللغة بين أبنائها من الطلبة والنخبة وأدعياء الأدب؟

ــ لا شك أن ثمة تردّيا لغويا ملحوظا على مستوى كتابة الكثيرين من أدعياء الأدب شعرا ونثرا، ويصادف المرء كثيرًا من النصوص التي تعج بأخطاء لغوية لا يمكن التغافل عنها، كما تنتشر العامية واللهجات المحلية كالسيل في قصص وروايات كثير من الأدباء، ناهيك عن الأخطاء الفادحة في لغة كثير من الإعلاميين وكثير من الصحافيين ومتحدثي اللغة في المحافل الرسمية وغير ذلك.

وهناك أسباب عدة وراء هذا التردي، منها ما له علاقة بمتحدثي اللغة، ومنها ما له علاقة بالمؤسسة التعليمية، ومنها ما هو لصيق باللغة ذاتها.. فهناك من يكتب الأدب ويمارس العمل الصحافي ويرى أن اللغة هي مجرد أداة للتوصيل، غافلًا عن وظيفتها الجمالية وما يحدثه هذا الأثر الجمالي في وعي المتلقي وتشكيل هويته، ضاربًا عرض الحائط بقواعدها ورصانة معجمها، مما يؤدي في النهاية إلى إهدار كينونة اللغة وذوبانها، والقطيعة مع تراثها المكتوب بتجهيل المتلقي بخصوصية المعجم الذي صاغ بنية هذا التراث. كما أن هناك قصورًا مدرسيا في تلقين لغتنا العربية للطلاب بسوء توظيف المحتوى اللغوي والأدبي المدروس، وسوء الاختيار الذي يفتقر للجمال المنوط بربط ذاكرة المتلقي بالنص، وعقم منهجية المعالجة الفنية في الدرس اللغوي والأدبي على حد سواء، وطبيعة الاختبارات التي تقوم مستوى الطلاب وارتباط التقويم بقياس ملكة الحفظ والاستظهار دون اختبار ملكة الإبداع.

وهناك مشكلات تتعلق باللغة ذاتها، من حيث قدرة علمائها ومنظريها على الإبداع وتنحية التفاصيل المغرقة للوعي التي لا تخدم الدرس اللغوي ولا يؤثر غيابها على بنية اللغة نحوا وصرفا؛ التفاصيل التي تصل لحد التعقيد تحدث نوعًا من القطيعة بين الطالب واللغة، وتحول اللغة من لغة كلام وتواصل إلى علامة شكلانية ودرس منطقي صوري يفتقر لتموضعه وجوديًا كجزء من تكوين من يتحدث تلك اللغة.

وتسهم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في تدشين النظام اللغوي في عقل المتلقي سلبًا وإيجابا؛ فقليلًا ما نرى أو نسمع الأفلام والمسلسلات التي تنتهج الفصحى حوارا، وتتعامل الصحف مع اللغة بمنطق تجاري وتسلّع مفرداتها لتضمن توزيعا أكثر، وبدلًا من أن ترتقي بذائقة المتلقي ووعيه تهبط هي وتتدنى لتتواصل معه، وقد أشار العقاد وطه حسين – رحمها الله – وكثير من أبناء جيلهما لتلك النقطة تحديدا، وانتهجوا منهجية كتابة أثمرت في ارتقاء جيل بأكمله .. في النهاية الارتقاء باللغة حراك مجتمعي وثقافي تعددي يسهم فيه الأدباء والمؤسسة الإعلامية ومنظرو اللغة ومقعّدوها والمؤسسة التعليمة؛ تبدأ بالمنهج، مرورًا بحسن اختيار النصوص واستهداف قيمة الجمال الذي يضمن تعلق وعي المتلقي بهذه النصوص، ثم وسائل التلقين والمعالجة، وانتهاءً بالتفاعل الشفاهي والتواصل بين المقروء والمنطوق.

ـــ تتميز عناوين دواوينك، وأسماء قصائدك بالبعد عن الغلو في الغموض، أو مبارزة عين القراء وعقولهم برموز وطلاسم تستدعي التفسير والتأويل، وهذا ما يصنع بينك وبين القاريء ألفة وحميمية يفتقدها ذات القاريء مع شعراء يمتطون صهوة النثر؟

ــ كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده فلا إفراط ولا تفريط؛ النص الشعري لا ينبغي أن يكون سطحيًا ومباشرا لأن ذلك يفقد القاريء عنصري الدهشة والمراوغة، ويختصم من رصيد القيمة، ويتبني تقنية استعلائية في حسم الدلالة ونظرة فوقية لإملاء المقصود.. كذلك لا ينبغي للنص أن يكون منغلقًا ومطلسما للحد الذي يجهد القاريء ولا يجد من ورائه طائلا.. مثل هذه النصوص مجرد ثرثرة أدبية لا تقدم وعيًا معرفيا بالعالم عند المتلقي ولا تضيف لمخزونه الجمالي شيئا، وقد يكون الغموض الملغز الذي لا يصل إليه القاريء العادي والشاعر المحترف في الوقت ذاته علامة بيّنة على غياب الرؤية لدى كاتب النص وعدم قدرته على القبض عليها.

النص ينبغي أن يكون مُحيرًا ومراوغًا للحفاظ على توهج قيمته الجمالية بعيدًا عن المباشرة وبعيدًا عن محاولة إلغازه وطلسمته.

ــ أصدرت مجلة عن قصيدة النثر، لخدمتها نشرًا وقراءة ودراسة، فهل هناك ضوابط ما للنشر، مع عدم الاتفاق على ضوابط جامعة مانعة لتلك القصيدة؟

ــ بالطبع ليست هناك ضوابط جامعة مانعة لقصيدة النثر لكن على الأقل هناك شروط تمس جوهر القصيدة وحقيقة الشعر لا ينبغي لأي شاعر أن يفتقر إليها؛ لأنها من شروط ماهية قصيدة النثر لا من فروع توظيف أدوات التقنية .. وهذه الضوابط تمثل مباديء عامة لعدم الخروج بالنص عن مفهوم الشعرية ومنها: أن تكون القصيدة مكتوبة بلغة عربية سليمة وخالية من الأخطاء الصادمة نحويا ولغويا.. مع التماس العذر للسهو الذي لا يشكك في علم الكاتب باللغة قواعدها وصرفها.

وأن تضيف القصيدة جديدا للقاريء إما بإحداث رؤية مختلفة أو مفارقة نوعية تحرك الوعي أو بحالة شعورية منتجة أو بطرح وجداني يخلق حالة من الحميمية بين النص والقاريء، أو باستثمار لطاقة اللغة وإعادة هندستها معجما وتركيبا.. وألا تكون القصيدة مجرد حالة باهتة مكرورة ومستقاة من عشرات النصوص الشبيهة بها. كما ينبغي أن تكون الشعرية واضحة في نصية النص وألا يكون سردًا تقريريا غائب الملامح بما لا يحدد جغرافية الشكل الأدبي ويعزله عن فن الخاطرة أو المراسلات أو المذكرات بلغتها المتداعية أو مجرد تركيب صور متتابعة بلا قيمة حقيقية لإنتاج الدلالة للتفلت من عبء توليد المعنى والتعبير عن رؤية حقيقية وناصعة.

  • في نهاية حوارنا الرائع الماتع بشخص المتحاور معه الشاعر الكبير الأستاذ أشرف الجمال، أتوجه لسيادته بالشكر العميق لما حاباني به وقراء “ذي المجاز” من وقته الغالي، وثقافته العالية.. كما أشكر من تابعوا هذا الحوار الثري بطول الوطن العربي وعرضه..

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: