الرئيسية / كتابنا / السيد إبراهيم أحمد / محي الدين صالح: صناجة النوبة وشاعر النار الهادئة../ بقلم الدكتور :- السيد إبراهيم أحمد

محي الدين صالح: صناجة النوبة وشاعر النار الهادئة../ بقلم الدكتور :- السيد إبراهيم أحمد

  • محي الدين صالح: صناجة النوبة وشاعر النار الهادئة..
  • بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

 

حين تقابله فى زيه النوبى أو بالأحرى السودانى وهو يسير كشجرة السنديانة لا يعرف الانحناء بوجهه الهادىء المتجهم إلا من ابتسامة خفيفة سيشغلك عقلك بتساؤل: من هذا الرجل؟!
……………………………………………………………….

لم تكد خطواتى تتجاوز مدخل رابطة الأدب الإسلامى العالمية بالقاهرة حتى رأيته جالسًا، لم يخطر ببالى قط أن هذا الرجل يمت للإبداع بصلة بل ربما ظننته رجلاً ساقته الأقدار ليتولى منصبًا إداريًا في هذه الرابطة لا أكثر ولا أقل، ثم عرفت أنه كاتبًا وشاعرًا بعد مضي قرابة الساعة فى الحديث والمؤانسة؛ فهو رجل دمث الطبع، هادىء النبرة، قليل التلفت والحركة، لا يأنس لمن يحادثه بسهولة فى بادئ الأمر ثم إذا ما عرفه أقبل عليه.

تأتي هموم الشاعر محي الدين صالح بعد مشاغله الاجتماعية موزعة بين النوبة/السودان ، والشعر/الأدب الإسلامى ، وقضايا الإسلام، ولم يأت ترتيبى لاهتماماته اعتباطاً بل بقدر ما أحسسته منه هو شخصيًا من اهتمام .

منذ أطلق الشاعر الكبير إبراهيم شعراوي، صاحب ديوان”أغاني المعركة”، على الشاعر محيي الدين صالح لقب (صناجة النوبة) في قصيدة كتبها خصيصًا له عنوانها: “صناجة النوبة المغرد”، حتى صار هذا اللقب لصيقًا بالرجل يُعرف به دون أن يعترف به هو شخصيًا ولا سمعته منه رغم حواراتنا ولقاءاتنا الكثيرة، ولم يكن شعراوى مغاليًا في هذا لأنه على الرغم من أن هناك شعراء سبقوا “صالح” في معاقرة هذا الفن المراوغ أمثال: محمد عبد الرحيم إدريس، وحسين روم، وإبراهيم شعراوي نفسه وغيرهم إلا أن محي الدين صالح كان كالنائحة الثكلى؛ إذ حمل هَمَ النوبة حسرةً ولوعة، حتى بات يقتات حزنها إن لم يكن أدمنه فلا يكاد يسيغ من أفراح الدنيا إلا اليسير، لا تفارقه النوبة بدروبها وعيالها ورجالها وقضاياها فهى تسير معه حيث يسير.

كان أول حديث بيننا مناوشة حول النوبة وحضارتها وأسبقيتها أم لحوقها بالفرعونية، ولا يكاد من حضروا المحافل والتجمعات والنوادى النوبية ينسون صوته الشادى النوَّاح على الوطن المفقود منذ ديوانه الأول حتى ديوانه الأخير، وحنينه الوهاج الوثاب إلى حيث ملاعب الصبا وأحاديث الراحلين، وعتابه الحنون للنيل لما جار على الديار ففرق السمار إلى غير الديار.

يرى الأديب محي الدين صالح أن حضارة النوبة على المستوى الجغرافي كانت هي الأصل قبل مصر والسودان، وأنها حق أصيل لأهلها من النوبيين تشهد بذلك الممالك التي كانت ممتدة من غرب محافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية إلي ما بعد منطقة رفاعة بجمهورية السودان, ثم تلتها مرحلة امتدت فيها من سنار إلي الدُبة، ثم من محافظة أسوان إلى الدبة.

أما أدلة صالح على ما يقول على المستوى التاريخي هو أن النوبة هي المكان الوحيد على وجه الأرض الذي عثر فيه العلماء علي آثار لحضارة امتدت إلى ما قبل الميلاد حوالي 12 ألف سنة، وأن متحف النوبة الموجود بأسوان يوجد به ما يؤكد أن الحضارة المصرية بدأت مع المرحلة الثالثة لحضارة النوبة، ولذا فالحضارة النوبية عنده أسبق في الوجود من الحضارة المصرية القديمة التي عرفها العالم منذ خمسة آلاف سنة، والواقع أني لم أكن أعلم قبل أن أقابله أن الحضارة النوبية كان لها امتدادها السوداني الذي يكاد أن يتطابق في كثير من الوجوه مع الجانب المصري ذلك أن بلاد النوبة كانت تمتد من جنوب مصر الى شمال السودان كله، وقد كان واقعًا في يقيني أن هذا من امتداد الفراعنة كأمبراطورية خارج حدود القطر المصري.

لم يئن لشاعر قبل محي الدين صالح تفيأ ظلال النوبة وسار تحت سمائها أن يخلدها كما خلدها في شعره، وذلك حين نظم للنوبة “لامية” يتباهى النوبيون بها أمام لامية “الشنفرى” في العرب، ولامية “الطغرائي” فى الفرس . وقد نشرتها مجلة العربى الكويتية فى أغسطس 1997م، والتى يبدأها بقوله :

تلاعبت الأيام بي, والنوازل وأدمت فؤادي الذكريات القواتلُ
وطفت بذكرى (هجرة النوبة) التي تلاحقني منها الأسى والمشاكلُ
وأطرقت رأسي ساخطاً لسذاجتي وضعفي.. وما أجراه فينا التفاؤلُ
فسالت دموعي حسرة وندامة فكفكف عن عيني الدموع (التكاملُ)

للشاعر محي الدين صالح فى أعناق أهل النوبة فضل وأى فضل فى المحافظة على التاريخ النوبي فى العصر الحديث بتدوينه حياة وأعمال أعلام النوبة في القرن العشرين لينشئ بهذا جسرًا هاماًا من التواصل بين الجيل القديم والجيل المشرف على أعتاب الحياة في نهايات القرن المنصرم وما يليه من أجيال، وكذلك دأبه فى الحفاظ على التراث النوبى من خلال كتابه: “الألعاب الشعبية النوبية والأطعمة ذات الطابع النوبي”، وقد عدد حوالي ثلاثين لعبة من الألعاب التي عرفها أهل النوبة والتي انتقلت إلى الشعر الجاهلي.

ليس هذا فحسب بل كتب الدراسات القيمة ومنها: “إبراهيم شعراوي متصوفاً”، و”الأدب في مفترق الطرق”، و”النوبة وتراث الأجداد”، و”قسطل حاضرة النوبة”، و”إبراهيم شعراوي وأدب الطفل”، كما قام بترجمة كتاب قصص الأطفال “حواديت زينب كوتود”، من النوبية إلى العربية وهي المجموعة القصصية التي جمعها الراحل إبراهيم شعراوي للمشروع القومي للحفاظ علي التراث النوبي، الذي قامت به مكتبة الإسكندرية تحت إشراف منظمة اليونسكو، وهذا الكتاب يحتوي على عدد من الأساطير النوبية القديمة والتي رواها “شعراوي” عن جدته عن جدتها الأولى التي تلقتها بالتواتر عن الأقدمين.كما أنه يعكف على دراسة عنوانها: “الأمثال الشعبية النوبية ــ دراسة مقارنة”.

لم تغفل ثقافة واهتمام الشاعر محي الدين صالح اللغة النوبية التي كتبها عنها كتابًا، وصار يدرسها في العديد من المراكز وغيرها، ويدافع عنها باعتبارها لغة مستقلة وليست مشتقة، ومن قال باشتقاقها فليثبت اللغة التي اشتقت منها، ويرى أن يوم “الأربعاء” هو يوم النوبة، فهو يوم الراحة وكل عمل ممنوع به إلا الاحتفالات كالأعراس، على عكس اليهودية والمسيحية والإسلام، ومعروف أيام كل ديانة التي تخصها، وهي على نفس الترتيب: السبت، الأحد، الجمعة.

كما لا يسكت النوبيون عن التعرف على لغتهم بنفس الاهتمام سواء في مصر أو في السودان، حيث تقام الورش المتتالية لهذا الصدد ومنها الورشة التي أقيمت بالخرطوم لعدة أيام حول “القواعد النحوية للنصوص الأدبية في اللغة النوبية القديمة”، والتي انتهت إلى أن النوبيين بدأوا كتابة لغتهم بحروف أخرى غير لغتهم ذلك أنهم وجدوا أن تلك الحروف لا تمثل كل الأصوات في لغتهم النوبية فأضافوا حروفاً من لغتهم التي يتحدثون بها غير النوبية لتمثل كل أصوات لغتهم، وهو عين ما يحدث الآن عندما تقرر تدريس اللغة النوبية بالحروف العربية في مركز يوسف الخليفة لتطوير وتدريس اللغات بجامعة افريقيا العالمية، غير أنهم وبعد أن تم اختيار الحروف العربية لتدريس اللغة النوبية وجدوا أن الحروف العربية لا تمثل كل أصوات اللغة النوبية، غير أنهم تغلبوا على هذه العقبة.

يرفض الشاعر محي الدين صالح هذا المقترح التي أصبحت واقعًا في بعض الأحيان، ذلك أنه يرى إن قيمة اللغة النوبية في حضارتها ذاتها، ولو جرت كتابة النوبية بالعربية، فسوف يتم الفصل بين ماضي النوبة وحاضرها، فإن هناك برديات قديمة عمرها آلاف السنين مكتوبة بهذه اللغة، كما أن التعريب سيؤدي إلي تحجيم المهتمين باللغة النوبية؛ وذلك لأن جميع الحضارات الأوربية والغربية تتعامل مع الحرف النوبي، وقد تكون كتابة النوبية بالعربية مفيدة منذ مئة عام مضي، عندما لم يكن هناك قاموس نوبي، أما هذا الحرف الجديد الذي أبتكره دكتور يوسف الخليفة فسوف يؤدي إلي تفرق وتشتيت اللغة النوبية، فكل واحد سيفكر في ابتكار جديد، وعلينا الاحتكام إلي أقدم حرف نوبي.

كما أن الفرق بين اللغة العربية واللغة النوبية من وجهة نظر صالح كبير جدًا؛ فمخارج الحروف بين اللغتين مختلفة، والمنطوقات ومفردات الكلمات وأسلوب وتكوين الجملة، ويضرب المثل على ذلك بأن الجملة النوبية تبدأ بالمفعول به ثم الفاعل ثم الفعل على عكس اللغة العربية التي تبدأ بالفعل ثم الفاعل والمفعول به، فحينما نقول: (أنا أكلتُ الطعامَ) باللغة العربية، فسكون باللغة النوبية على النحو التالي: (الطعام أنا أكلته)، ليس هذا فحسب بل أن حروف الكتابة في اللغة النوبية تتميز بوجود عدد أربعة حروف خاصة بها إضافة الي أربعة حروف متحركة للتشكيل فقط، وحرف له أكثر من استخدام “متحرك في التشكيل وساكن في مواضع أخرى”، وخمسة عشر حرفًا “ساكن أصيل”، وبهذا يكون إجمالي الحروف المستخدمة فى اللغة النوبية (24) حرفًا.

والثابت أن للغة النوبية خصوصياتها التي تتمثل في أن حرف العطف فيها يأتي فى أخر الاسم وفي المعطوف والمعطوف عليه، وأن ما يميز اللغة النوبية بوجه عام أن درجة الإمالة الخفيفة في نطقها تغير المعنى، علاوة على أن حالات المد فى اللغة النوبية والمقارنة بين حروفها واللغة العربية سنرى أن هناك (12) حرفًا نوبيًا ليس لهم مثيل فى اللغة العربية،كما أن النوبي يعتمد على تشكيل أول حرف في المفردة أما في العربية فالتشكيل يأتي في آخرها، وهنالك من الأدوات ما يقابل الفتحة والكسرة والضمة، واللغة النوبية لغة لا تفرق بين التذكير والتأنيث، كما تخلو من أداة التعريف ولذا فكل الأسماء في النوبية مُعرَّفة ما لم يلحق بآخرها أداة التنكير وهي (وي) (وير) وتعني واحد و(ويكو) (ويري) واحدين في حالة الجمع.

يرى صالح في النهاية أنه على الرغم من أن اللغة النوبية قد كتبت باللغة الهيروغليفية إلا أنها هي نفس اللغة النوبية التى نتحدث بها في عصرنا الحاضر، ولهذا فهم كنوبيين يقومون بتدريس النوبية بحرفها القديم، وقد وافقت جامعة الخرطوم على تدريس اللغة النوبية بذات الحرف، وقد ساهمت الشبكة العنكبوتية في نشر الثقافة واللغة النوبية، كما تهتم مصر الآن بتوثيق الثقافة النوبية، وقد أُضيف الحرف النوبي إلى بعض أجهزة الكمبيوتر.

• محي الدين صالح على المستوى الإنساني والأدبي:

نشأ شاعرنا في قرية من قرى النوبة تدعى “قسطل” يأتيها رزقها رغدًا حتى صارت سيدة القرى في حينها من حيث أسباب الحضارة والوفرة المادية، وعاش في كنف أب صَب في أذني طفله السيرة النبوية العطرة بمدائحها الطويلة الندية بصوته العذب الحنون، فكان “صالح” غصنًا تدلى من شجرة عائلة عريقة اشتهر أفرادها بالخطابة والوعظ حتى أحب هو هذا الفن وأجاده فقام خطيبًا بين الناس، ثم زاوج بين أن يخطب في الناس شفاهةً وكتابة فأصدر كتابه: “يا قومنا أجيبوا داعيَّ الله” .

نظرًا لنشأة صالح في هذه البيئة القرآنية فقد تعلق قلبه وعقله بالقرآن الكريم يتلوه آناء الليل وأثناء النهار حتى خالط شعره، بل لا يكاد المتتبع لقصائده تخطئه تلك اللفتات القرآنية وهو يضمنها أبياته دون افتئات عليها أو الزج بها في حشو مجحف، بل تحسها طبيعية منسابة مع نفس تيار ألفاظ أبياته بحيث لو حاول من شاء الإتيان بألفاظٍ غيرها أعجزته المحاولة وخابت رميته فى هذا كثيرًا، مثل: (سموتُ بروحي عن الفانية لأنعم بالعيشة الراضية)، وكذلك: (وما كان منهم من أقام صلاته مكاء وتصدية يطـوف ويرمل)، أو بالاقتباس، مثل: (وآنست من جانب القلب نارًا)، وأيضًا :(رفقًا فإني ذلك الصـب الذي ألقاه في سجن المعاني صمتكم قدت قميصي فكرة، واستقبلت من سارعوا للباب تشكوني لهم فاستشرفوا الآيات حتى أدركوا زهدي ولكن أفرجوا عمن ظلم).
وهذه الاستشهادات والاقتباسات في الأبيات تجري على لسان شاعرنا جري الماء دون افتعال أو جهد، كما تجدها في أول دواوينه كما في آخرها فهي سمة أصبحت لصيقة به سليقة وطريقة، ولولا ضيق مساحة الدراسة لأتينا بالمزيد .

لا غرو أن ترى مفردات شاعرنا وأنفاسه أصداء من صوت علامة السودان وعميدها الدكتور عبد الله الطيب، غير أن الشاعر محمد الواثق هو الأقرب من منهج محي الدين صالح؛ إذ أن “الواثق” ينحاز إلى الرموز العربية الاسلامية، ويستوحى كثيرًا من آيات القرآن الكريم، ويبدو هذا جليًا فى قصيدته: “أم درمان تتزوج” وخاصة في أبياتها الأخيرة.

على الرغم من اعتزاز الشاعر محي الدين صالح بآرائه إلى الحد الذي قد يدفعه تشبثه بها إلى إلى ترك الوظيفة أو المكانة التي يتبوأها مثل تركه لعمله كمراجع لغوي في واحدة من أشهر دور النشر في مصر لخلاف على حديث شريف، وبالرغم من معاودتي للنقاش معه في هذا الشأن بعد زمن غير يسير لإقناعه بأن دار النشر ربما كانت هي الأصوب في هذا الشأن، إلا أن الرجل يجادل ويعرض وجهة نظره دون أن ينفعل أو يرتفع صوته، ودون أن يلجأ إلى تسخيف وجهة نظر محدثه باستعلاء، ودون أن يخلق من مجادليه ومعارضيه خصومًا له على المستوى الشخصي، بل كان بارعًا في أن لا ترتفع سخونة الحديث والمكان أبدًا، كما لا يلجأ إلى المراوغة، أو محاولة تطويق مجادله للانتصار عليه بأي طريقة كانت كما يلجأ لهذا أنصاف المثقفين .

إن القاريء لشعر محي الدين صالح وخاصة “لاميته” التي يدافع فيها عن أهم قضية في حياته بل هي قضية حياته كلها “النوبة” لن يجده فظاً غليظ القلب وهو يعرضها بل سيجده يجابه ولاة الأمر في أدب، ويعاتب النهر في حنان، ويستسمح أجداده، ويعتذر لقارئه، ويطلب الرحمة من ربه، بينما يتجرع هو كأس الإحباط وتلفُه سحابات التشاؤم، فهو هكذا دائمًا يستسيغ المُرَّ ولا يسيغه لأحد، يقوىَ على نفسه ويشد عليها، ويرحم حتى جلاديه:

حنانيك يا أرض الجدود وليتني ألوذ بماض لم يعد له طائـــل
عزائي لقومي ما بقيت وما بقوا ليعلم أني ما سلوت وما سـلوا
ويا قاريء الأبيات عفوك إننى أساقيك كأس المر لا أتجـــمل
ورحماك يا رباه أني بهـجرتي رضيت ولكني للطفك ســــائل

جمعتني وصديقي الشاعر محي الدين صالح أمور كثيرة؛ فقد ولدنا في العاشر من شهر ديسمبر، غير أنه سبقنى إلى الوجود بسبع سنوات، وكنا أبناء كلية واحدة هي كلية التجارة ونفس الجامعة “عين شمس” بل عملنا فى نفس المجال: السياحة والطيران، وتركنا عملنا وتفرغنا للأدب، وأيضًا بدأتُ رحلة الإبداع مثل شاعرنا بالشعرا لعمودى ثم هجرته لشعر القصيدة النثرية والتفعيلة بل والعامية الراقية، بينما تمسك هو بالقصيدة الخليلية، وقد فُرِضَ علينا التهجير القسري في سنوات طفولتنا الأولى على اختلاف الأسباب؛ فبينما جار النيل ففاض على أهل النوبة، جار علينا كذلك ـ نحن أبناء القناة ـ طغيان اليهود فَسِحنَا في البلاد، ونشترك في أننا نسكن أقاليم حدودية تفصل المياه بيننا وبين جيراننا من الدول الأخرى، ونشترك معًا في أن جذورنا سودانية حيث هو من “آل موسى” وأنا “جعلي”.

ومع هذا نختلف فهو مصري نوبي يرى أن تيار الحضارة جاء من الجنوب أولًا، كما أسلفتُ، فالسودان من وجهة نظره هي الأسبق والأصل ويسوق على ذلك أدلته ومراجعه في هدوء وأدبٍ جم ، بينما أرى أن الحضارة الفرعونية عندي هي الأصل ودليلي على هذا قول شفيق غربال: (أن مصر هبة المصريين)؛ فالنيل مر على بعض دول قارة أفريقية ولم تنشأ فيها حضارة كحضارة الفراعنة .

على الرغم من انحياز الشاعر محي الدين صالح الدائم لنوبيته وسودانيته ذلك الانحياز الذي انطبع على شعره ومواقفه بل ترك بصمته على دراساته حتى الإسلامية منها؛ فتأتي دراسته عن: “الأدب الصوفي وأثره في الدعوة الإسلامية نموذج من السودان العربي الإفريقي” خير دليل على هذا، وكذلك في المزاوجة الاجتماعية بين سعيد النورسي وعباس محمود العقاد وإن كان الحق يميل معه في ذلك لا مجرد انتماء العقاد لإقليم الشاعر، ومع هذا ففي كل هذه المناقشات التي لا أدعى أنها هادرة لم يخرج الرجل عن حد الشطط والانحياز الأعمى لرأيه أبدًا.

لقد أحسنت الباحثة ريهام صبحي محمود حين لاحظت وهي تكتب رسالتها للماجستير بعنوان: “محيي الدين صالح حياته وشعره”، أنه لم يكن عنده شيء في الهجاء أو المدح، غير أنها جازفت بتعليل غير علمى حين حاولت تفسير ذلك وترده إلى كون الشاعر قد نشأ في المجتمع النوبي الذي من طبيعته البعد عن زيف المدنية ومشاكلها، وهو تعليل يتسم بالعمومية لو أنزلناه على المجتمع الريفي أو الزراعي في أي بيئة عربية لكفى أي كائن شر المدح والهجاء، ونحن لا نشكك في أن المجتمع النوبي له خصائصه الطيبة والمشهودة ولا نريد بحال تجريده منها، غير أنه من الافتئات على الشاعر ـ خاصةً وأن هذا يدور فى سياق علمي أكاديمي ـ أن نجرده من صفاته الشخصية لأنه على الرغم من أن الفرد له صفات وخصائص مشتركة مع جميع أفراد الجنس البشري ومع أفراد الجماعة التي ينتمي إليها إلا أنه ينسجها جميعًا في نظام فريد متميز، ولو كان الناس جميعهم متشابهين في كل شيء لما كان هناك حاجة لظهور مفهوم الشخصية، ولهذا فقد فطن العرب إلى معنى الفروق الفردية وأهميتها لأفراد المجتمع.

يقول الأصمعى: (لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا)، وليس أدل على ذلك التباين من أن نعقد مقارنة بين الروائي”حسن حجاج أدول” وبين الشاعر محي الدين صالح من حيث موقفيهما من مناصرة القضية النوبية: ففي حين أن الأول نوبيًا وإن كان سكندري المولد ويكبر الثاني بعدد من السنوات إلا أنه في تعاطيه مع القضية وعرضها على الرأي العام قد بلغ حد الشطط حين سعى لتدويلها وزجها مع ملف الأقليات داخل مصر، فخلق عداوات لا حصر لها سواء مع الجهاز الرئاسي واتحاد الكتاب الذي ينتمي إليه، كما دأب على مهاجمة الرموز المصرية بل وأدباء النوبة أنفسهم الذين انبروا للدفاع عن حياضهم مما أحدث انقسامًا داخل الصف النوبي، وهذا كله خلق جوًا من عدم التعاطف تجاه ما يدافع عنه وربما أثر هذا بالسلب الأكيد في غير مصلحة النوبة وأهلها على عكس ما أراد “أدول” .

كان “صالح” على النقيض من ذلك؛ فخلق العداوات ليس هوايته، والعنترية على حساب الآخرين ليست من شيمه، فهو يرى ـ بوضوح ـ أن الذي ينازع الدولة سلطانها في النهاية خاسر وسيجر الوبال والويلات على من يقفون بخندقه، ولذلك فهو يؤثر السعي نحو التغيير الهادئ ولو سلك نتيجة لموقفه طريقًا طويلًا فالنصر فى النهاية حليفه .

يقول محى الدين صالح في كتابه “يا قومنا أجيبوا داعي الله”: (لا شكَّ أن كل المخلوقات ضيوف أتَوْا إلى الوجود تباعًا حسب صدور الأمر الإلهي ﴿كن﴾، وسيرحلون إلى عالم الفناء إن عاجلًا أو آجلًا، وكلُّ شيء هالك إلا وجه الله ــ سبحانه ــ والدلائل كلُّها تثبت أن الإنسان كان آخر الضيوف وصولاً إلى الوجود، ومع هذا الحضور المتأخِّر إلاَّ أنه سيكون أوَّل الضيوف رحيلاً، ناهيك عن الرحيل فُرَادَى وجماعات منذ القدم .هذه المقولة ـ ربما ـ توجز فلسفته ومبدأه فى الحياة أن غاية كل حى الفناء ، والأرض يرثها رب العباد، فيقول مخاطبًا ربه في البيت الأخير من لاميته:

ورحماك يا رباه أني بهـجرتي رضيتُ ولكني للطفك سـائلُ

وحتى لا نغمط الرجل حقه فكما ذكرنا آنفًا أن من جل اهتمامات الرجل الأدب الإسلامي وقضاياه، فيقول في بحثه “الأدب الصوفي وأثره في الدعوة الإسلامية. نموذج من السودان العربي الإفريقي”: (والمتأمل في أخلاقيات أهل السودان الذين تعرضوا لهذا الكم الهائل من الأشعار الدعوية سيجد بدون عناء الأثر العميق للتعاليم الإسلامية سواء علي مستوي الأفراد أو الجماعات.. من بساطة في الحياة المادية وقوة في العلاقات الاجتماعية .. مع صبر شديد علي تقلبات الزمن وابتلاءات القدر..كما سيلاحظ أثر الأدب الإسلامي علي أدباء السودان وبلاغتهم الجذابة في أسلوب الدعوة إلي الله كما يقول الشاعر السوداني “محمد المهدي المجذوب” في قصيدة عيد الفطر):

مسلم أبتغي لأوطاني الخير ولكنني من الشعراء

كما يقول في قصيدة أخرى :

وفي كل شبر سجدة أو ضراعة وروح شهيد أو ترانيم هائم
تعيد إلينا عزة الأمس حرة نعيد بها مجد الجدود الأكارم

إلى أن يقول: (ولا جدال في أن الأدب الإسلامي كان له أثره القوي في نشر الدعوة الإسلامية، ويقول سبحانه وتعالي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾ [سورة فصلت: 33 ـ 35].

يقول الشاعر الدرعمى الراحل على الجارم:

إنما الشعر على كثرته لا تجد فيه سوى إحدى اثنتين
نفحة قدسيـــة أو هــذر ليس في الشعر بين بيــــــــن

عاش الشاعر محي الدين صالح مع الشعر لا يعرف فيه التوسط؛ فالشعر قضيته، والنوبة قضيته، والإسلام والأدب الإسلامى قضيته، وهو في كل هذا يعلم أنه المناضل عنها والمحارب الذي لا يجب أن يضع سلاحه لكنه أبدًا ما سعى لتأجيج نار المعارك ولا حرض عليها أو افتعلها ، ولكنه يواجهها في هدوء، ويعرضها ما وجد إلى ذلك سبيلًا، ولا أجد غير أبياته التي يحدثنا فيها عن نفسه لأختم بها فى هدوءٍ أيضًا:

شاعر مضى يقتفي الأثر شد أزره الناي والوتر
قاد خطوه في الظلام أشعاره وما كان يدخــــــر
صادق إذا أسرج القوافي وليس كذابـــها الأشر
كان لا يبـالي بلوعة الشوق والصبابات والفكر
أنفق الليالي متيماً بالمنى.. وما أغنت النــــــذر
غره التصابي فما ونى إنه أنا والهوى قــــــــدر

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: