الرئيسية / أخبار ثقافية / إشهار حركة نيسان الشعرية والبيان الأول

إشهار حركة نيسان الشعرية والبيان الأول

أقيم في  مؤسسة عبد الحميد شومان بتاريخ 13 أيلول 2017، فعالية إشهار “حركة نيسان الشعرية”، بحضور الشعراء: مهدي نصير ونضال القاسم وسلطان الزغول، يقدمهم الشاعر موسى حوامدة.

وتالياً بيان الإشهار :

رؤية الحركة للشِّعر والشِّعرية على مجموعة من الأسس، أبرزها:

أولاً: أن يحفر الشاعر عميقاً في أرضه الخاصة، وأن يمتلك الرؤية التي تمكِّنه من تفكيك الظواهر والأحداث وإعادة توظيفها في سياق نصّه، فثقافته الواسعة تعطيه القدرة على فهم دينامية الفعل الشِّعري بوصفه قراءة للعالم تتفاعل مع أشيائه وتفاصيله بعيداً عن الهتاف المجاني والصراخ الانفعالي.

ثانياً: لغة الشعر لغة إشارة وتكثيف، ولا بدّ للفظة في السياق الشعري أن تعلو على ذاتها، أن تزخر بأكثر مما تعنيه في الواقع اللغوي، وأن تشير أكثر مما تصرّح عبر إدراك الشاعر لقدرات المجاز في منح الألفاظ مساحاتٍ أوسعَ من دلالاتها المعجمية، وإدخالها في عوالمَ جديدة، كما أن القصيدة تتشكَّل لغتها كمُركَّبٍ كيميائيٍّ لغويٍّ يمتلك كياناً مستقلاً وهويةً تدلُّ عليها، فيصعب حذفُ أيِّ جزءٍ منها دون الإخلال بوحدتها.

موسى حوامدة - سلطان الزغول - مهدي نصير - نضال القاسم
موسى حوامدة – سلطان الزغول – مهدي نصير – نضال القاسم

ثالثاً: تُعدُّ الأسطورة أبرزَ تجليات العقل البدائي الصافي للبشرية كلها، وهي تكشف بكارة الثقافات البشرية وأسئلة الإنسان الأولى في ماضيه السحيق. وثمةَ نسبٌ قديمٌ بين الشِّعر والأسطورة والموسيقى، حيث شكَّلت هذه العائلة النبيلة المحرك الأساسيّ للحضارة والحياة والناس، وظلَّ الشِّعر صورةً من صور الأسطورة المتحرِّكة الحيَّة، وقد شكَّل مع الموسيقى توأمةً حقيقيةً تناسلت من الأسطورة التي أنتجت عبر التاريخ القيم الجمالية الإنسانية العليا ومنحت الحياة لوناً وطعماً وسموّاً في مواجهة قُبح التاريخ وقُبح الطبيعة وقُبح الإنسان نفسه. وتُشكِّل الأسطورة نظاماً خاصاً في بنية الخطاب الشِّعري، وتؤمن الحركة بتغلغلها في التجربة الشعرية من خلال رؤيةٍ جديدةٍ تعمد إلى تفكيك الأسطورة والاستفادة من عناصرها في بناء النصّ الذي يشكّل تجربةً معاصرةً تُعيدُ تشكيلَ أسطورتها، بحيث تبدو الأسطورة القديمة ظلاً بعيداً لها.

رابعاً: اقتصرت قراءاتُ القصيدةِ العربية إيقاعيّاً وعروضيّاً، سواءً أكانت عموديةً أم تفعيليةً أم قصيدة نثر، على إيقاع الأذن الشفاهيِّ فقط، وعبر تاريخ طويل من التنظير لإيقاع القصيدة العربية أُهمل إيقاع العين والإيقاعاتُ الأخرى المتصلة بالطبيعة الحية كإيقاع الشمِّ وإيقاعِ الذوقِ وإيقاعِ اللمسِ. والقصيدة لا تكتملُ بحاسَّةٍ واحدةٍ، لذلكَ لا بدَّ من إعادةِ تعريف مكوِّناتِ الإيقاع لتشملَ الحواسَّ الإنسانيةَ كلَّها كأساسٍ لإيقاع القصيدةِ. وترى حركة شعراء نيسان أن قُصوراً تاريخياً وثقافياً شابَ تقييم عروض الخليل وتفاعيله، فعبر التنظيرات المدرسية التي سادت الدراسات العروضية أُقصي المُكوِّن النظريِّ المُجرَّد لدائرة الخليل الكبرى، واستُبدل بالدوائر الجزئية الخمس فقط، والتي تمَّ تأبيدها وتصنيمها من أتباع الخليل الذين عدّوها دوائر الشِّعر العربي النهائية والمغلقة، وجزموا أن ما وقع خارجها ليس من شعر العرب، ما أدخل الشِّعرية العربية في دائرةٍ ضيقةٍ راحت تجترُّ لغتها وإيقاعاتها بعيداً عن إيقاع اللغةِ والأشياء في حضورها المتحرك.

خامساً: ترى الحركة أن العرب غدوا أبناء ثقافةٍ قُتل أباؤها وتُركت عاريةً على قارعة التاريخ؛ فهم لا يملكون نماذج عليا حية، ذات حضور مهيمن يمكن تمثّلها واستعادتها في الحراك نحو بناءِ حضارةٍ حاضرةٍ حيَّةٍ قادرةٍ على المجابهة، خاصة أن جسد الأمة يتعرض جهارا نهارا للتقطيع والهدم، حتى تحول إلى جثَّةٍ طُفيليَّةٍ غيرِ قادرةٍ على أن تمارس حضورها وتعزفَ موسيقاها وشعرها وتقود أوركسترا الينابيع العالية التي ستغسل وجوهَ الماعزِ والأطفالِ والأزقةَ الحزينة.

وقد خاطبت الحركة الشعراء بالقول: “أيها الشعراء، ويلٌ للغة إذا لم تجد شعراءَ يعشقونها كامرأةٍ ناضجةٍ، ويلتقطونَ حضورها الغائبَ وغناءها الخافتَ وبراعمها الصغيرة وصوتَ خُطاها الليليِّ وغبارَ غضبها في الأزقة ومسكَ فتنتها وأنوثتها وانحناءاتِ جغرافيتها وخصوبتها وموسيقى ارتطامِ خلاخيلها وحروفها وطينها وهوامشَ عشَّاقها العابرين والمجهولين وسوقيَّةَ أبنائها المقيمينَ في الشَّوارعِ الخلفيَّةِ، الذين يعشقونها ويفجِّرون أوردتها وينابيعها الهامشيَّةَ المليئةَ بالطِّينِ والعلقِ”.

ثم أكدت على إيمانها بالثورة على البنية التقليدية للقصيدة، لا من حيث الخروجُ على أوزان الخليل حسب، وإنما أيضا على اللغةِ والألفاظ والتراكيب الشعرية عبر تفكيك الكتل اللغوية المحنّطة والاقتراب من اللغة المعاصرة واليومية الطازجة والنابضة بالحياة، بعيداً عن جزالة وبلاغة التراكيب المسكونةِ بماضٍ لغويٍّ شكَّل سلطةً ونموذجاً استنفد أغراضه.

كما أكدت على إيمانها بجدل الشِّعر والتاريخ، فالشِّعر يفيضُ عن حدود التاريخ ويهربُ منها إلى الأمام نحوَ تاريخٍ بكرٍ غيرِ متحقِّقٍ لم يزل في شرانقه، أو يهربُ منها نحوَ الهوامشِ التي تفيضُ بالممكنات الموؤودة، فقدرُ الشِّعر المتمرِّد على القوالبِ والبِنى والأشكالِ الجامدةِ الفاقدةِ لجدليتها والمتحقِّقةِ في تاريخٍ ماضٍ هو أن يبحثَ عن بِناهُ المتحرِّكة وأشكاله المتحوِّلة المتجدِّدة الحيَّة الغامضة غيرِ القابلةِ للتوقُّع.

جانب من الحضور

سادساً: تنظر حركة نيسان إلى إيروتيكية الشِّعر بوصفها جوهره الفاعل، فالشِّعر فعلُ خلقٍ جديدٍ، وهو جزءٌ من حركة الطبيعة والتاريخ للاستمرار والتطوُّر ومواجهة الموت والخراب، وعندما نقول عن قصيدةٍ إنها قابلةٌ للحياة فنحن نعني أنها قادرة على التأثير في الخطاب العام للتاريخ، والإسهام في صياغة خطاب جديد يمنح التاريخ أنساغاً لرؤيةٍ جديدةٍ قادرةٍ على أن تحلّ محلّ الخطاب القديم، فهي تبلبل الخطاب السائد لتحلَّ محلَّه، قبل أن تكبر وتهرم بدورهِا ليحلَّ محلَّها كائنٌ شعريٌ طفلٌ جديدٌ في حركة جدليةٍ دائبةٍ بين التاريخ والشِّعرية الإنسانية الباحثة دوماً عن دفع الحياة الإنسانية نحو قيم الجمال الإنسانية العالية. أما القصيدة التي لا تملك القوة الإيروتيكية للجدل مع التاريخ وخطابه السائد لتزحزحه باتجاه خطابها الجديد فهي قصيدةٌ عنينةٌ مكرَّرةٌ تعيد إنتاج خطاب تقليديٍّ غيرِ قادرٍ على الخلق أو إخصاب خطاب التاريخ والدخولِ في جدلٍ وجوديٍّ معه.

سابعاً: من التحوَّلات الكبرى في الشعرية العربية المعاصرة إعادة الشعر إلى سياق السرد، إلى حاضنته التي ينمو فيها ويتنفس منها ويغرف من مائها وينبتُ في تربتها، ثم يتمرَّد عليها ليعودَ وينغرس في تربتها ثانيةً بطفرةٍ جديدة وإيقاعاتٍ ولغةٍ نمَّاها بيديه في تربة السرد الطريَّة الشرسة الطازجة. فالشعر ينمو في اللغة اليومية المتداولة والأحداث الواقعية البسيطة والأجساد الحية التي تتحرَّك في فضاء الحياة وسردها ونثرها، والسردُ ماءٌ يُروِّي هذه النبتةَ العصيّةَ الباحثةَ دوماً عن أفقٍ آخرَ لتدفُّقِ هذا النهر اليومي للتاريخ.

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: