الرئيسية / قصة شاعرة / القصة الشاعرة والاحتواء الإبداعي لفن الإبيجراما 2 – بقلم أ. مصطفى عمار

القصة الشاعرة والاحتواء الإبداعي لفن الإبيجراما 2 – بقلم أ. مصطفى عمار

ثانيًا: اتجاهات الحداثة في القصة الشاعرة
1) الثورة على الرتابة
إن اتجاهات الحداثة في الأدب العربي المعاصر يعتمد اعتمادا كليا على ما ذهب إليه الشعراء للنقل مما في لغة الغرب من الأدب الإنجليزي والفرنسي وغيره من الفنون التي لا تمُت إلى العربية بصلة، وسميت هذه الاتجاهات اتجاهات الحداثة.. والوقوف على لفظ الحداثة وقوف يستدعي لنا تصور معنى الحداثة المنوط باللغة والمصطلح، فالحداثة حينما أطلقت لم يرد بها ما وصل إليه الأدب الغربي من كلمات ومصطلحات وإنما من تحرر وثقافات، حيث أن النص في الغرب بعد تحرره من قبضة الكنيسة الغربية اعتمد على التحرر في صياغته وكتابته، فنشأت بذلك قصائد ومقطوعات ومنظومات تتحرر من القيد الديني والقيد الاجتماعي، وكان من الأصل عند ابتكار الحداثة أن تصدر إلى العرب حيث يطبقونها على لغتهم حتى خرج بعض الكتاب بكتابة بعض النصوص العربية التي كسرت العديد من الحواجز الأخلاقية، ولكن الأصل أن يُأخذ من الحداثة ما يناسب القيم العامة دون إخلال بقيمة التجديد.
فإن كان المراد من الحداثة في الأصل هو كسر الحواجز،فقد استطاعت القصة الشاعرة أن تكسر حواجز أخرى جثمت على نفس النص العربي كما كانت تجثم على صدر النص العربي القافية واستطاع العرب بالحداثة أن يكسروا هذا القيد الذي أكهل عاتق الشعر فصدرت لنا قصيدة التفعيلة، التي لا تعتمد على عمود الشعر العربي، وهذا كسر أيضا لعمود الشعر العربي الذي كان قاعدة لابد لمن أراد أن يكتب شعرا أن يكتب عليها، وبذلك استمر الشعر العربي في قصيدة التفعيلة ولم تقلل الحداثة من شأنه بل إنها زادته رونقا وجمالا، فإن كانت للقصة الشاعرة اتجاهات حداثية فإنها تكمن في كسرها لحاجز أكبر من حاجز عمود الشعر العربي وقافيته وهو كسر حاجز الرتابة.
والرتابة تعني هو استمرار النص على هيئة واحدة معروفة معهودة لا يمكن تغييرها حتى يسمى فنا معينا، كأن تكتب قصة فلابد أن تسير على رتابة واحدة من مقدمة وأحداث فيها عقدة، ثم نهاية مغلقة أو مفتوحة، هذه تسمى رتابة، والقصيدة العربية القديمة كانت رتيبة جدا إذ كان للشاعر إذا أراد أن يكتب معلقته أن يبدأ بالنسيب، ثم بوصف الناقة، ثم بوصف رحلته ثم يختتم ذلك بذكر حبيبته وماكان يريد أن يقول لها من رسائل عاطفية، ولكن القصة الشاعرة اتجهت اتجاها حداثيا بالثورة على الرتابة، فتجد بعض نصوصها قد اعتمد على اللغة الشاعرة القديمة في ذكر بعض الألفاظ، وتجد في نصوص أخرى استخدمت ألفاظًا حداثية معاصرة، وأخرى لا تعتبر بالزمان ولا المكان، وأخرى اعتمدت على الزمان والمكان، فهذه هي الثورة على الرتابة، وهذا يفتح المجال أمام القصة الشاعرة لإثبات أنها فن حداثي قائم بذاته مع اعتماده على أصالته المستمدة من اللغة والأوزان والبلاغة.
2) الرمزية
يقول البلاغي العربي الكبير «عبد القاهر الجرجاني»، عن القيمة الفنية الجمالية للرمز: «إن المعنى إذا أتاك ممثَّلاً، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشد، ومن المركوز في الطبع، أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجدّ وألطف، وكانت أفنّ وأشغف»( ).
إن اعتماد القصة الشاعرة على الرمزية لم يكن اتجاها أصيلا فقط وإنما كان اتجاهًا حداثيا، حيث أن الحداثة في عصرنا الحالي تعتمد على الرمزية العالية، التي تكاد أن تتيه بين رموزها في القصيدة الواحدة، وهذا الاتجاه الحداثي يتميز “بعباءةَ الغموض، ودثارَ الضباب، هو السمة البارزة للحداثة العربية، فأنت إذا أصغت بسمعك، أو رنوت بعينك إلى قصيدة الشاعر الحداثي، لا تستطيع مهما ركّزت السمع أو البصر، بفكرٍ حاضرٍ وقلبٍ مقبِلٍ وعقلٍ يقظٍ مفتوحٍ، تجد نفسك تتأرجح بين الليل والنهار، بين العتمة والنور، بين الحياة والموت، بين الكلام والصمت، ولعله الكلام الصامت، والصمت المتكلم، والليل المنير، والنهار المظلم، والموت المفعم بالحياة، وحياة الموت. ( )
والقصة الشاعرة قد ظهر في نصوصها هذا الاتجاه الحداثي بما اعتمدته من رمزية عالية في نصوصها، وهذه الرمزية تجعل منها فنًّا حداثيًّا متميزًا.
3) التكثيف
التكثيف وظيفته كما يقول الدكتور نعيم اليافي( ) ((إذابة مختلف العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة وجعلها في كل واحد أو بؤرة واحدة تلمع كالبرق الخاطف))إن كثافة القصة الشاعرة، وإن تشابه مع كثافة فنون الحداثة الأخرى كالومضة والشذرة وغيرها، إلا أنها تتميز عنها باعتمادها عليها كركن لا ينفك عن الكتابة فيها وكونه معيار من معاييرها، وهذا ما يؤكد حداثتها.

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: