الرئيسية / علوم اللغة / العروض / ‏الشعر العمودى بين الأصالة والمعاصرة‬ 3 – أسامة الخولي

‏الشعر العمودى بين الأصالة والمعاصرة‬ 3 – أسامة الخولي

فى مقالنا الأول وقفنا على تعريف الشعر ووجدنا أن جميع التعاريف تعتمد الشكل لا المعنى والمظهر لا الجوهر والجميل لا الجمال وخلصنا فى مقالتنا الثانية ان الأولى هو تعريف الشاعر لا الشعر وعلى هذا المعنى يصبح تعريف الشعر مرتبط بالشاعر ومرتبط بفهمه لماهية الشعر وكما يحلو لى دوما ان أشبه روح الشاعر بالاسفنجة التى تمتص المشاهد والأحداث ثم تتشربها حتى إذا ما شبعت وشُبّعت خرجت على شكل جديد مغاير خالية من كآبة القوالب وضيق المحتوى لبراحة المدى
و على هذا أجد ان أخطر عامل على الشعر العمودي هو القوالب المستنسخة من تجارب الآخرين وانحسار رؤية الشاعر فى بعد غيره ممن سبقوه وهنا مكمن الخطر فالحب هو الحب والكره هو الكره والهجر هو الهجر إذ ان التجارب الإنسانية واحدة وقد تناولها الشعراء منذ هل غادر الشعراء من متردم وبالتالى حين يرى الشاعر بعين غيره يصبح جامدا اما حين يمتلك رؤيته الخاصه ويعبر عنها بمعجمه الخاص هنا يكون الفعل الشعر والمفردات الفارقة والصور المستحدثه لا المستنسخة
لنشاهد سويا هذا المشهد من قصيدة أمل دنقل من يوميات ابى نواس

“ملِكٌ أم كتابهْ؟

صاحَ بي صاحبي وهو يُلْقى بدرهمهِ في الهَواءْ

ثم يَلْقُفُهُ..

(خَارَجيْن من الدرسِ كُنّا.. وحبْرُ الطفْولةِ فوقَ الرداءْ

والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت,

وتهبطُ فوق النخيلِ البعيدْ!)

“ملِك أم كتابه؟”

صاح بي.. فانتبهتُ
ورفَّتْ ذُبابه

حولَ عينيْنِ لامِعتيْنِ..!

فقلتْ: “الكِتابهْ”

… فَتَحَ اليدَ مبتَسِماً; كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ

باسماً في مهابه!

“ملِكٌ أم كتابة؟”

صحتُ فيهِ بدوري..

فرفرفَ في مقلتيهِ الصِّبا والنجابه

وأجابَ: “الملِكْ”

(دون أن يتلعثَمَ.. أو يرتبكْ!)

وفتحتُ يدي..

كانَ نقشُ الكتابة

بارزاً في صَلابة!

دارتِ الأرضُ دورتَها..

حَمَلَتْنا الشَّواديفُ من هدأةِ النهرِ

ألقتْ بنا في جداولِ أرضِ الغرابه

نتفرَّقُ بينَ حقولِ الأسى.. وحقولِ الصبابه.

قطرتيْنِ; التقينا على سُلَّم القَصرِ..

ذاتَ مَساءٍ وحيدْ

كنتُ فيهِ: نديمَ الرشِيد!

بينما صاحبي.. يتولى الحجابة

مشهد يومى بسيط يحدث فى مئات القرى المصرية بين الأصدقاء الصغار ولعبة مشهوره كلنا لعبها يوما ما
لكن شاعرنا الكبير العبقرى تشرب هذه الصوره ثم فلسفها حين أنفعل بها ثم هاهى تتمكن من مفرداته فى بساطه وسمو وتحليق
اذن هى الرؤية المغايرة فى تراكيب جديدة وصور بسيطة وفلسفة عميقة

واترككم فى مشهد عبقرى الموت من نفس القصيدة الطلقة

وأمّي خادمةٌ فارسيَّه

يَتَنَاقَلُ سادتُها قهوةَ الجِنسِ وهي تدير الحَطبْ

يتبادلُ سادتُها النظراتِ لأردافِها..

عندما تَنْحني لتُضيءَ اللَّهبْ

يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتِها الأعجميَّه!

نائماً كنتُ جانبَها, ورأيتُ ملاكَ القُدُسْ

ينحني, ويُرَبِّتَ وجنَتَها

وتراخى الذراعانِ عني قليلاً

قليلا..

وسارتْ بقلبي قُشَعْريرةُ الصمتِ:

– أمِّي

وعادَ لي الصوتُ!

– أمِّي

وجاوبني الموتُ!

– أمِّي

وعانقتُها.. وبكيتْ!

وغامَ بي الدَّمعُ حتى احتَبَسْ!!

أسامة الخولي

تصويت

ادعمنا بتعليق

%d مدونون معجبون بهذه: